الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
35
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ادعو بهن لعاقر أو مطفل * بذلت لجيران الجميع لحامها وقوله : دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ مصدر يفيد تشبيها ، أي يستعجل الشر كاستعجاله الخير ، يعني يستبطئ حلول الوعيد كما يستبطئ أحد تأخر خير وعد به . وقوله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا تذييل ، فالإنسان هنا مراد به الجنس لأنه المناسب للتذييل ، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من نوع الإنسان ، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن ( كان ) تدل على أن اسمها متصف بخبرها اتصافا متمكنا كقوله تعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] . والمقصود من قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا الكناية عن عدم تبصره وأن اللّه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [ يونس : 11 ] ، ولكنه درّج لهم وصول الخير والشر لطفا بهم في الحالين . والباء في قوله : بِالشَّرِّ و بِالْخَيْرِ لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] ؛ أو لتضمين مادة الدعاء معنى الاستعجال ، فيكون كقوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] . وعجول : صيغة مبالغة في عاجل . يقال : عجل فهو عاجل وعجول . وكتب في المصحف وَيَدْعُ بدون واو بعد العين إجراء لرسم الكلمة على حالة النطق بها في الوصل كما كتب سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ العلق : 18 ] ونظائرها . قال الفراء : لو كتبت بالواو لكان صوابا . [ 12 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 12 ] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 ) عطف على وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ [ الإسراء : 11 ] ، إلخ . والمناسبة أن جملة وَيَدْعُ الْإِنْسانُ تتضمن أن الإبطاء تأخير الوعد لا يرفعه وأن الاستعجال لا يجدي صاحبه لأن لكل شيء أجلا ، ولما كان الأجل عبارة عن أزمان كان مشتملا على ليل ونهار متقضّيين . وهذا شائع عند الناس في أن الزمان متقض وإن طال . فلما أريد التنبيه على ذلك أدمج فيه ما هو أهم في العبرة بالزمنين وهو كونهما آيتين على وجود الصانع وعظيم القدرة ، وكونهما منتين على الناس ، وكون الناس ربما كرهوا